العدد : ١٤١٦٩ - السبت ٧ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٩ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٦٩ - السبت ٧ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٩ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ

شرق و غرب

هل تتخلى أمريكا عن قيادة الغرب؟

بقلم: هنريتش أوغست وينكلر *



لا يخلو التاريخ أحيانا من ميل واضح للرثاء. في يوم 20 يناير 2017 سيتولى دونالد ترامب رسميا مقاليد الحكم ويدخل البيت الأبيض ويجلس في المكتب البيضاوي باعتباره الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين ليخلف بذلك الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما.
تشكل الغرب الحديث في يناير 1917. فقد كانت الحرب العالمية الأولى تعصف بالقارة الأوروبية في ذلك الوقت. في واشنطن كان الرئيس وودرو ولسون يقول للشعب الأمريكي ان الوقت قد حان كي يتحمل الأمريكيون المسؤولية من أجل «السلام والعدالة». في شهر ابريل 1917، قال الرئيس وودرو ولسون: «يجب أن يكون العالم آمنا من أجل نشر الديمقراطية».
بطبيعة الحال أعلن الرئيس وودرو ولسون الحرب ضد ألمانيا وأرسل الجنود الأمريكيين إلى أوروبا من أجل حسم الانتصار العسكري لمصلحة الأنظمة الديمقراطية الغربية - لقد تولت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة العالم الغربي الحديث، وقد كانت تلك الصفحة في الحقيقة نوعا من العولمة السياسية في مراحلها الأولى.
بعد مرور قرن كامل من الزمن ينتخب دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية – ترامب هو الرجل الذي لا علاقة له بالعولمة والرجل الذي يعزف على وتر القومية الأمريكية والرجل الذي يروج لسياسة الانعزال والانسحاب الجزئي من التجارة العالمية وهو أيضا الرجل الذي لا يريد أن تتحمل بلاده أي مسؤولية عن خطر التغيرات المنخية في العالم. كان ذلك نتاج حملة انتخابية سادتها الكراهية والعنصرية والتحريض.
تمثل الكرامة الإنسانية حجر الزاوية في المشروع الغربي برمته. عقب الثورة التي اندلعت في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر بدأت الدول تضمن حقوق الإنسان التي تحولت إلى لبنة أساسية يقوم عليها الغرب الحديث. لا يمكن لرجال السياسية الغربيين اليوم أن يجسدوا هذا المشروع الغربي. يعتبر بعض المحللين أن دونالد ترامب غير مؤهل كي يقود العالم العربي الحديث؛ لأنه غير مستعد وغير قادر أيضا على الاضطلاع بهذا الدور العالمي.
نحن نواجه اليوم فراغا – مثلما نواجه الخوف من الفراغ. ما الذي سيحدث للغرب، وأوروبا وألمانيا بدون الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تقود الغرب والعالم؟
ألمانيا هي ابنة الغرب وسليلته، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. لقد ولدت ألمانيا بفضل كرم الولايات المتحدة الأمريكية وشهامتها، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي ظلت طويلا تطعم ألمانيا التي كانت في حالة صدمة عظيمة حتى تعافت ووقفت على قدميها واشتد عودها.
لقد ظل الرئيس الأمريكي يعتبر في نفس الوقت رئيسا لنا نحن الألمان – بعض الشيء على الأقل. كان الرئيس باراك أوباما جديرا بأن يكون رئيسا للغرب. يجب اليوم أن نفيق على الواقع الجديد ونتعايش مع فكرة فقدان القيادة الغربية.
كيف كانت السنوات المائة الماضية ما بين سنة 1917 و2017 التي باتت على الأبواب؟
يمكن أن نروي تاريخ الغرب الحديث بطرق وأشكال عديدة. الغرب هو قصة بطولية مثلما أنه قصة جشع وقصة مهمة حضارية أو قصة من قصص الخوف.
إن هذا المقال يركز على قصة مائة سنة من الخوف، وخاصة الخوف على حريتنا، هذا الخوف الذي يكاد يكون مرضيا نبع من الولايات المتحدة الأمريكية لتنتقل بعد ذلك عدواه إلى مختلف الدول الغربية.
لست أتحدث عن الخوف كمفهوم سلبي بل كدرع حصين يحمينا من الأخطار. هناك مخاوف إيجابية مثلما توجد مخاوف سلبية.
في ظل القيادة الأمريكية، نجحت الديمقراطيات الغربية المتوحدة في التعايش مع الأنظمة المتنافسة واستطاعت إلحاق الهزيمة بالامبراطورية المحافظة الألمانية والنمساوية - الجارية خلال حقبة الحرب العالمية الأولى. أما في الحرب العالمية الثانية، فقد نجحت هذه النظم الديمقراطية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في اجتثاث الأنظمة القمعية في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. أما في فترة الحرب الباردة فقد نجحت في نخر الامبراطورية الشيوعية السوفيتية حتى انهارت وتفككت.
في بداية فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي، كان الغرب هو المنتصر في التاريخ.
ما الذي جعل الغرب قويا؟
الحرية من أكبر العوامل التي صنعت قوة الغرب. لا شك أيضا أن اقتصاد السوق المبني على الحرية كان أرقى بكثير من الاقتصاد الموجه من الدولة، لقد ولدت الحرية منافسة بين مختلف القوى، الأمر الذي مكن الغرب الذي يشجع حرية المبادرة من تطوير منتجاته التي غدت اليوم عالية الجودة، كما حقق الغرب الازدار والثراء وامتلك القدرة على الانتصار في الحروب وحسم السباق نحو التسلح.
ظل الخوف من خسارة هذه الحرية يدفع الغرب الى العمل دائما على توطيد وتقوية مجتمعاته وحمايتها من أي تيارات هدامة. بطبيعة الحال، كانت هناك نقاشات حادة ومظاهرات، كما تبنت أطراف أخرى الفكر الشيوعي ورفضت النموذج الليبيرالي الغربي كان دائما بالإمكان تأمين الأغلبية اللازمة لبناء التوافقات والدفاع عن النموذج الغربي.
سنظل نحافظ على حرياتنا في الداخل والخارج، كما أننا سنظل نعمل على تعزيز وتوسيع وتقوية حرياتنا التي ساهمت أيضا مساهمة كبيرة في الحفاظ على تماسك بلداننا. في ظل القيادة الأمريكية، وتحت المظلة النووية الأمريكية، ظلت الدول التي تشكل الغرب موحدة نسبيا وقوية.
كانت التسعينيات أسعد الأعوام التي عاشها الغرب الحديث. فقد توسعت العالم الديمقراطية كما تراجع خوفنا على حرياتنا إن لم يكن قد تبدد. مع سقوط الاتحاد السوفيتي، لم تعد توجد أي قوة أخرى عظمى تتحدى حرياتنا الغربية.
بدأ كل شيء يوم 11 سبتمبر 2001. فقد هاجم المتطرفون الإسلاميون عاصمة الحرية في الغرب - نيويورك - والبنتاجون في العاصمة الأمريكية واشنطن. منذ ذلك اليوم بدأ الإرهاب يزحف على العالم ولم يتوقف حتى اليوم.
لقد أصبح الخوف يخيم على العالم الآن أكثر من أي وقت مضى. لا يتعلق الأمر بالخوف من الارهاب فقط أو الخوف من فقدان الحرية - مثلما حدث لنا في الغرب في الماضي. لا ننسى أيضا الخوف من الحرية نفسها. هذا التحول هو الذي مهد السبيل لوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
هذان النوعان من المخاوف متلازمان في المجتمعات الغربية. الحرية مصدر للاستمتاع بقدر ما هي مدعاة للخوف. هناك من يدافع عن الحرية فيما يحارب الآخرون من أجلها أو بسببها. الحرية واسعة النطاق أو مقيدة. الحرية هي السبب الذي يجعل الخوف يخيم أحيانا على المجتمعات كما أن الحرية هي التي توصل إلى الحكم والسلطة.
الخوف من الحرية قد يتخذ أشكالا عدة. هناك ايضا الخوف الذي يشعر به الناس في الغرب على حريتهم، إضافة إلى الخوف من حرية الآخرين؟ فقد قال الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر ذات مرة في كتاباته: «الآخرون هم الجحيم». يمكننا أن نضيف ونقول: «الآخرون هم الجحيم وخاصة إذا تحرروا».
إذا أصبح الناس أحرارا نسبيا في عبور الحدود والبحث عن أماكن جديدة يستقرون فيها فإنهم قد يثيرون المخاوف. إذا توافرت للناس الحرية لتصدير بضائعهم ومنتجاتهم وينافسون بالتالي بضائع ومنتجات البلدان الأخرى، فإنهم يثيرون المخاوف.
إذا أصبح الناس أحرارا يدافعون عن المساواة في الحقوق بين الناس مثل النساء وغير البيض فإنهم يثيرون المخاوف. أما الرجال البيض – وخاصة الرجال البيض المسنين – فهم يعتبرون أنهم هم الذين جعلوا من الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب الملك. فقد أيدت الأغلبية الساحقة من هذه الفئة من الناخبين دونالد ترامب وأدارت ظهرها لمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
لقد أخطأ الديمقراطيون حينما استهانوا بهذه الفئة ولم يقرؤوا لها أي حساب. فقد تركوا هؤلاء الرجال البيض والنساء الذين يفكرون على شاكلتهم ويحملون نفس الذهنية فريسة لمخاوفهم. لم يأخذ الديمقراطيون مخاوف هذه الفئة من الناخبين مأخذ الجد.
إن المخاوف التي تظل تتفاقم على مدى أعوام إنما تولد الغضب، وخاصة الغضب الموجه ضد هؤلاء السياسيين الذين يعطون الانطباع بأنهم لا يكترثون ولا يفعلون أي شيء من شأنه أن يبدد مخاوفهم - هذا الكلام ينسحب على السياسة والاعلام في الوقت نفسه.
للمرة الأولى وفرت الانترنت الفضاء اللازم للتعبير عن هذا الغضب حتى وصل إلى الرأي العام على نطاق واسع جدا، وهو ما جعل أصوات الغاضبين وأصوات الخائفين تعلو فوق كل صوت آخر.
عندما نصّب دونالد ترامب نفسه على رأس حركة الغاضبين والخائفين فقد وجد مخزونا كبيرا ساعده على الوصول إلى البيت الأبيض كرئيس منتخب. يتوقع كثيرون أن يعمل دونالد ترامب على تقييد الحريات - بما في ذلك حرية التجارة والهجرة. أصبح كثير من الأمريكيين، وخاصة أبناء الأقليات يخشون على مصير حريتهم، غير أن الخطر يأتي هذه المرة من الداخل - من دونالد ترامب. فهم يخشون تفاقم التمييز والعنصرية والكراهية الموجهة ضدهم وضد ثقافاتهم وأنماط حياتهم.
تلخص الدراما التي نعيشها اليوم برمتها في الغرب في الجملة التالية: الحرية أكبر ميزة في الغرب تحولت اليوم إلى مدعاة للخطر. هذه هي أزمة الغرب اليوم. فهو يسعى لحماية الحرية التي ظل ينعم بها، غير أنه يخشى هذه الحرية مثلما أنه يخاف من حرية الآخرين. تلك هي الإشكالية الحقيقية. هذه الأزمة تضرب اليوم الديمقراطيات الغربية التي تشهد تفاقما للخوف والغضب لنفس الأسباب التي نجدها اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية - أي الهجرة والعولمة والتجارة الحرة على وجه الخصوص.
تزداد مخاوف الأمريكيين أكثر من أي وقت مضى عندما يتعلق الأمر باتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادي بل إنهم أكثر تخوفا من الأوروبيين أنفسهم. ليس هناك في الحقيقة ما يدعو الأمريكيين والأوروبيين الى التخوف بهذا الشكل، حيث إنه يتوقع أن يلغي دونالد ترامب اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادي.
في أوروبا الغربية لم يتم تنظيم الخائفين والغاضبين حتى الآن كي يتمكنون من الدفع بأحد ممثليهم إلى مقاليد الحكم في أعلى هرم السلطة، على غرار ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية رغم أن مثل هذا السيناريو قد يحدث عما قريب في النمسا في بداية شهر ديسمبر 2016.
لقد ظلت الولايات المتحدة الأمريكية طويلا تقود الغرب وتدرأ عنه الأخطار والتهديدات وتوفر له المظلة العسكرية، لكن إذا ما مارس الرئيس الجديد دونالد ترامب مثلما وعد خلال حملته الانتخابية، فإن أرض الأحلام ستتخلى عن دورها كزعيمة للعالم الحر. عندما سيكون على الأوربيين الاضطلاع بهذا الدور القيادي في العالم الحر.
يجب أن تصمد القارة الأوروبية أمام تنامي التيارات السياسية الشعبوية وتواجه الغضب وتبدد المخاوف المتنامية التي تستثمرها الأحزاب والتيارات السياسية المتطرفة في توسيع إشعاعها والحصول على مواطئ قدم في دوائر القرار. يجب على أوروبا أن تفعل ذلك من دون أن تقيد الحريات.
لقد حان الوقت كي تعمل الدول الأوروبية على تقوية اتحادها حتي يتمكن من لعب دور قيادي. لقد قيل هذا الكلام وكتب أيضا آلاف المرات، غير أن دونالد ترامب قد يصدم الأوروبيين ويجعلهم يفيقون هذه المرة من سباتهم الذي طال أمده.
مع الأسف توجد دول في أسوأ حالاتها على مدى عقود من الزمن. فقد صوت البريطانيون بنعم للانسحاب من الاتحاد الأوروبي وقد كان السبب في جزء منه ناجما عن الخوف من حرية الآخرين والحرية التي قد يحصل عليها الآخرون للإقامة في بريطانيا. لقد أصبحت أغلب الدول الأوروبية تشدد على القضايا الخلافية التي تزرع الانقسامات بدل التركيز على المسائل التي توحد الصفوف. لن نبالغ إن قلنا ان عقد الدول الأوروبية قد بدأ ينفرط.
يمكن أن يظل الأوروبيون يواصلون إدارة أزماتهم وانقساماتهم بدل العمل على تعزيز وحدتهم. فعلى مدى المائة سنة التي كانت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الحامية التي تضطلع بالدور القيادي في الغرب، بل وفي العالم. في تلك الأثناء كانت الدول الحليفة تستمتع بهذه المظلة الأمريكية الأمنية والعسكرية ولم تسع هذه الدول حقا إلى بناء الفكرة الأوروبية، لعلمهم بأن الأمريكيين سيكونون دائما موجودين ومستعدين لحمايتهم.
قد ظلت كل دولة أوروبية – وفي مقدمتها بريطانيا وألمانيا وفرنسا – تسعى كل على حدة للحفاظ على علاقتها الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، من دون التركيز على تقوية فكرة الوحدة الأوروبية. كانت كل دولة أوروبية تعتمد على أسلحتها وتتسلح بعزمها وإرادتها في الحالات الطارئة. يحدث هذا في وقت أصبح يوجد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا - داعش - على الحدود الأوروبية.
لا شك أن القادة الغربيين سيواجهون مشاكل كبيرة في غياب الولايات المتحدة الأمريكية التي قد تتنحى عن دورها القيادي وتنكفئ على نفسها. قد يقع العبء مستقبلا على المستشارة اللمانية أنجيلا ميركل. فهي تمثل دولة قوية، كما أنها تمتاز بقناعات أخلاقية قوية برهنت عليها من خلال تعاملها الانساني مع أزمة اللاجئين السوريين.
ليس مطلوبا من المستشارة القوية أنجيلا ميركل أن تكون وودرو ولسون ألمانيا، غير أنها تملك كل المقومات التي تمكنها من تولي قيادة أوروبا. إذا لم تفعل المستشارة ذلك، فإن ذلك سيعني أنها لم تفهم جيدا تجليات وعلامات الزمن!

* مؤرخ ألماني مولود سنة 1938، من أهم كتبه «تاريخ الغرب» و«الماضي الذي لا يريد أن يمضي».
دير شبيجل





aak_news