الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٦٩ - السبت ٧ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٩ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الثقافي

سرديات
سرد المستقبليات.. الخارطة التنبؤية للقادم!



نشر الروائي البريطانيَّ جورج أورويل روايته المعنونة (1984) أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. وهذه الرواية تُصنّف ضمن أدب (الديستوبيا)؛ أي أدب المدن الفاسدة. و(الديستوبيا) هي كلمة إغريقية وهي المضادة لكلمة (اليوتوبيا) الخاصة بالجمهوريات والمدن الفاضلة بدءًا بجمهورية أفلاطون مرورًا إلى يوتوبيا توماس مور.
في رواية (1984) يتنبأ أورويل بالنهايات السياسية القاتمة لبريطانيا وبالتحديد للعاصمة لندن في عام 1984؛ أي بعد حوالي ربع قرن من كتابة الرواية، حيث تسود الاشتراكية الإنجليزية على نمط متطرف جدًا ويخضع الجميع لرقابة سياسية صارمة متمثلة في مصطلح «الأخ الأكبر» Big Brother الذي جعل من الناس رقباء حتى على أنفسهم. وتُختزل وزارات الدولة جميعها في أربع وزارات وتأخذ المسميات نقيضها؛ فوزارة «الحقيقة» لا تحمل من اسمها سوى النقيض، وطبعا يأتي هذا كله في سرد جورج أورويل التنبؤي التخيلي. لقد غدت هذه الوزارة وزارة للكذب والتدليس والتلفيق ولحروب الدعايات السياسية وحملاتها العنيفة، ووزارة «الحب» لا تحمل شيئًا مطلقًا من الحب وهي كذلك على النقيض تعُنى بخطاب الكراهيات.
ما يميز دراسة التاريخ في الجامعات الأمريكية والأوروبية ابتكار الجديد والخروج من المقاربات التقليدية البحتة إلى مقاربات منهجية إبداعية. فالتاريخ ليس علمًا جامدً كما يفكر بعض الذين لديهم رؤية قاصرة جدًا عنه. والتاريخ ليس مجرد دراسة سردية للماضي.. التاريخ علم متحرك ومتداخل مع عدد كبير من الدراسات الإنسانية. ولذلك يوجد الآن في بعض الجامعات الغربية ما يُسمى «تاريخ المستقبل» أو «المستقبليات» Futures Studies. إنَّ هذا العلم يختص بالمحتمل والممكن في المستقبل من خلال التنبؤ بسيناريوهات متعددة للحالات السياسية الطارئة ووضع بدائل مختلفة أمام صانعي القرار من السياسيين. إنَّ المستقبليات ليست منجمًا يظهر في شاشات التلفزة بداية كل سنة ميلادية، ويبدأ بالتنبؤ السياسي انطلاقًا من الشعوذة والشعبذة والبلورات السحرية والتبصيرات! و«علم المستقبليات» و«تاريخ المستقبل» ليس سردًا أدبيًا متخيّلاً قد يصدق كما حدث بالنسبة إلى رواية جول فيرن عن هبوط الإنسان على سطح القمر. وقد لا يصدق ويبتعد عن الواقع كما هو حال تنبؤ البريطانيّ جورج أورويل بوجود نظام سياسي متسلط في بريطانيا في عام 1984 وهو الأمر الذي لم يحدث إذ إن ما يميز بريطانيا هو عراقة نظامها الديمقراطي.
نحتاج في جامعاتنا العربية إلى تدريس «تاريخ المستقبل» أو «المستقبليات» كي نستطيع إضافة الحيوية إلى هذا التخصص الإنساني المهم، كما أنه لا بدَ أن تنُشأ مراكز أبحاث عربية خاصة بالتبؤ بالمستقبل أو المستقبليات لوضع السيناريوهات المتعددة أمام صانعي القرار. والأمر بالتنبؤ وعلم المستقبليات ليس قصرًا فقط على الأحداث السياسية إنَّه يشمل أموراً كثيرة بما في ذلك الإنسان في علاقته بمحيطه ومجتمعه وثقافته.
أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.





نسخة للطباعة

الأعداد السابقة