الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

فلسفة العمل من منظور إسلامي (2)



إن العمل الإنساني هو وسيلة الإسلام لبناء الحياة وعبادة الله. لقد قابل عمر بن الخطاب يوما رجلا يهوديا مسنا يتكفف الناس فسأله عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين أصبحت عاجزا عن الكسب لشيخوختي كما ترى.. فأجرى عليه راتبا من بيت المال وقال قولته المأثورة: «ما أكرمناه إذا أكلناه لحما ونبذناه عظما» وهذه القصة تذهب في باب التنظيم العمالي، وحق العمال مذهبا بعيدا أو تعطي القضية أبعادا عصرية وهي «معاش الشيخوخة» لا بالنسبة إلى العمال المسلمين فحسب، ولكن إلى أهل الطوائف الأخرى الشركاء لنا في الوطن وعن هذا الحق المنظور ومثله «حق الآفة بسبب العمل» يحدثنا خالد بن الوليد رضي الله عنه في كتاب بعث به إلى أهل الحيرة فيقول: «أيما شيخ ضعيف أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت عنه جزيته وعيل من بيت المال هو وعياله»، إن هذه الحقوق الإنسانية صهرت المجتمع كله في بوتقة العمل وضمنت لهم كل حقوقهم فنشطوا في مجال العمل الجاد والإنتاج الوفير يبتغون وجه الله تحرسهم عقيدتهم فيما يفرطون ولا ينجرفون، لقد حدث التاريخ أن أعرابيا كان يرعى غنما في البادية فجاء يهودي يساومه أن يبيع واحدة منها وصاحبها غائب لا يراه فرد عليه الأعرابي قائلا: «إذا كان صاحب الغنم غائبا فإن الله حاضر لا يغيب» فالعقيدة تحرس صاحبها وتكون له «جهاز وقاية» لا يغيب ولا ينام.
إن القرآن الكريم كتاب الله الخالد ربط الأجر بحسن العمل وإتقانه ووفرة الإنتاج فقال سبحانه: «إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا» (سورة الكهف: الآية 30) فلا أجر حتى يبلغ العمل ذروة الإحسان والإجادة ويقول الرسول الكريم والمربي العظيم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» فقضية الإنتاج تتطلب إعداد الشعب لكي ينتج وإلا فكيف نطالبه بزيادة الإنتاج وهو يسير كل ليلة إلى أفجر سواء في المدينة أو القرية التي خلت مساجدها وزواياها من الذين كانوا يهرولون إليها لصلاة الفجر ومنها إلى الحقول، ألستم معي أن حياتنا أصبحت بالمقلوب ننام نهارا ونسهر ليلا وبعد ذلك نريد إنتاجا وتقدما؟ والاستسهال أيضا أصبح سمة طالت فكر الإنسان المصري للأسف فأصبحنا نتكلم كثيرا ونعمل قليلا، وخاصة بعض الشباب الذي أصبح يبحث عن أي عمل يبعده عن حبات العرق ويتميز بعائد أكبر.
فالعزيمة هي وقود الانتصار والإسلام يدعو أتباعه إلى الاكتفاء الذاتي لأن ذلك هو سبيل التحرر من التبعية، فالأمن في العودة إلى فلسفة الإنتاج والبيت المنتج والاكتفاء الذاتي لا يأتي من فراغ، بل يأتي نتيجة تخطيط سليم وإعداد جيد وإدارة حازمة، والاكتفاء الذاتي غالبا ما يأتي عن طريق الزراعة التي هي أساس كل خير، ثم الصناعة التي هي عماد التقدم، فإذا اعتمد المسلمون على فأسهم وسواعدهم وعقولهم مع تطبيق قواعد العلم وواكبوا ركب العصر، وتم لهم التحرر من ذل التبعية للغير وأدوا الأمانة التي تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قياما بها، حيث إنَ الأمم الناهضة هي التي تحترم أهل الكفاءات وتضع الرجل الكفء في المكان الذي يناسبه حتى يستطيع أن ينتج ولا تهبط مواهبه فيضيع ويضيع معه مستقبل الأمة، فإنهم بذلك يملكون قوة ذاتية تزلزل الجبال الرواسي ويمضون على درب التقدم، وعلى النقيض من ذلك عندما تسرف الأمة الإسلامية على نفسها في الفساد وتعبث فيها شفاعات بالمصالح المقدرة وتطيش بأقدار الرجال الأكفاء وتهملهم وتقدم من دونهم فإن مشيئة الله تتخلى عنها فتخطفها الطير أو تهوي بها الريح في مكان سحيق (سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا) سورة الأحزاب: الآية 62، والتاريخ شاهد صدق على ذلك فعندما كان بنو إسرائيل على حظ من التقوى مكن الله لهم في الأرض وأنزل عليهم المن والسلوى وقال مذكرا لهم حتى لا يخرجوا عن هذا الخط (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) سورة البقرة: الآية 47، وعندما انحرفوا عن الجادة وتوزعتهم المآثم والشهوات سقط اللواء من أيديهم لتتلقفه الأمة المسلمة المستمسكة بالحق على طريق الله وفتحوا الدنيا بأخلاقهم وحكموا العالم بدينهم وضبطوه بفضائلهم وعاشوا سادة كراما زهاء ثمانية قرون، صنعوا فيها مجدا وكتبوا تاريخا وأنشأوا حضارة، وعندما استكانوا للدعة وبشمت بطونهم وخوت أفئدتهم وقلوبهم وانقسموا على أنفسهم يحارب بعضهم بعضا غربت شمسهم «ذلك بما قدمت أيديهم» وهكذا الأمم تأخذ بأسباب الحياة فتحيا وتنحرف عن سنة الحياة فتنتحر فقوانين الله جل جلاله لا تحابي شعبا ولا تجامل أمة فكم من حضارات سادت ثم بادت: فالأمة التي تبني وتعمر وتنشئ وتخترع وتزرع وتحصد وتستخدم وسائل العلم في كل ذلك وتعيش في صميم العصر وفي جوهر الحياة وتتحمس لذلك كله بدافع من دينها ووازع من عقيدتها، فإنها بذلك تحيا حياة مباركة طيبة وتمضي في ميدان السبق والتقدم خطى سريعة، فنحن نؤمن بقدرة هذه الأمة على أن تستعيد عافيتها وأن تتجاوز محنتها التي طالت أكثر مما ينبغي، وأفرزت من أحاسيس اليأس والإحباط ما يفوق طاقة الأمل والتفاؤل، ولكن لا يأس مع الإيمان؛ فالدول التي تسير على طريق التقدم بخطى ثابتة وراسخة إنما يكون تقدمها بحجم الأداء، وإن اقتصاد الخدمات أصبح قاطرة الاقتصاد نحو الانطلاق.
فعلينا التمسك بتشجيع الالتزام والانضباط مع العمل بصفة دائمة على إعلاء قيمة العمل الدؤوب والتواجد المستمر في موقع العمل، فهذا هو السبيل الوحيد إلى النهوض بكل مؤسساتنا، كما أنه لا بد من البحث عن معايير أخرى غير الاعتماد على مجموع الدرجات في دخول الجامعات ومن أهمها اختبار القدرات والمهارات فهي التي يمكن أن يقاس بها مدى استعداد الطالب للدراسات العلمية والعملية، وبذلك ننهض بمؤسساتنا التعليمية التي تبني الإنسان الذي يبني كل شيء بعد ذلك.
هذا كله يجب أن يطبق بعيدا عن الاستثناء الذي يعد السبب الرئيسي في تدمير مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة