العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

تأملات قانونية في قصة موسى عليه السلام

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل




شاء الله أن يكون اثنان من أنبياء الله من بني إسرائيل معروفين في الإسلام والمسيحية واليهودية، هما يوسف وموسى بالإضافة إلى داود وسليمان. الذي يجمع بين يوسف وموسى كثير متميز نحسب خمسة منها على الأقل، أما الذي يجمع بين داود وسليمان فهو أن الأول والد الثاني وقد وهبه الله الحكمة وفصل الخطاب وكانت دعوته قومه من بني إسرائيل ثم أسلمت بلقيس مع سليمان فصار اليمن مسرحا للدعوة الجديدة وكل ذلك من آثار موسى. ذلك أن الأقدم هو يوسف بن النبي يعقوب من سلالة إبراهيم وشاء الله ليوسف أن يولد في فلسطين وأن يتربى في مصر وأن يلمع فيها ويصبح مصرف ميزانيتها وزراعتها وتجارتها فهو وزير الاقتصاد بكل فروعه والذي جنب مصر المجاعة بحسن ترتيبه وتدبيره. وكان يوسف سببا في استقدام بني إسرائيل وغيرهم إلى مصر للتجارة أولا ثم الإقامة، ولذلك أسس لبني إسرائيل في مصر. أما موسى فقد ولد في مصر من الأقلية من بني إسرائيل وتربى وبعث فيها إلى بني إسرائيل وفرعون مصر. معنى ذلك أن بني إسرائيل هم أول قوم يؤمنون برسالات السماء بينما كذبت أقوام «فكيف كان عذابي ونذر» بنص القرآن، «فكيف كان نكير». وبنو إسرائيل هم أكثر من نزلت فيهم الرسالات وبعث منهم الأنبياء والرسل فها هم أربعة من الكبار يبعثون فيهم، ولكن القرآن يخبرنا أنهم أيضا أشد الأقوام ضلالا وعتوا وتعنتا، بل هم من انفرد بقتل أنبياء الله (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) كما أخبرنا القرآن الكريم عن تحريف رجال الدين فيهم الكتب المقدسة وزعمهم أنها من عند الله، وهم يعلمون ويدركون تدرج الرسالات ويعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم. ثم إن بني إسرائيل هم من نزل فيهم موسى وعيسى باثنتين من الرسالات السماوية الثلاثة، فهموا بقتل عيسى وصلبه ما صور للمعاصرين ذلك لولا أن القرآن أخبرنا أن الله أنقذه منهم ورفعه إليه، ولا بُـدَ أنه أماته ثم رفعه فلا يغادر الإنسان هذه الدنيا إلا بالموت وهو مؤكد بالنصوص القرآنية، فهذه لا يجوز أن تكون قضية للخلاف بيننا أو بين المسلمين والمسحيين.
وإذا كان عيسى قد قال بنص القرآن لبني إسرائيل إني رسول الله إليكم، فيرجح من الوارد أيضا أنه من بني إسرائيل، وأنه بعث إليهم، وكان بنو إسرائيل يجب أن يفخروا بأن عيسى بعد موسى منهم ولكنهم تحرشوا به وعادوه ولم يعدوه منهم ولم يؤمنوا بدعوته. معنى ذلك أيضا أن بني إسرائيل لم يعطوا رسالة موسى ما تستحق وأنهم حرفوا التوراة لما عرفناه يقينا في القرآن الكريم. وعلى أي حال، لا يعد من صلب العقيدة نسب عيسى، من عرب فلسطين أم من بني إسرائيل وكلاهما يحتمل الجدل.
الوقفة القانونية الأولى هي أن موسى من أبناء الجالية الإسرائيلية التي وفدت إلى مصر منذ مئات السنين في عصر يوسف. وإذا كان القرآن أخبرنا أن فرعون كان يسومهم سوء العذاب فإننا لا نعلم كيف عاملهم المصريون، كما لا نعلم هل المصريون عاملوهم هكذا منذ استقدمهم يوسف أم أنهم أساؤوا للحاكم فعاملهم بقسوة تليق بأعمالهم. ولا بدَ أن قسوته فاقت الحد إلى درجة أن الله جلت قدرته أراد أن يخرج من أصلابهم من يواجه فرعون بالإله الحق ويسفه أساس شرعية حكمه بادعاء الألوهية، ومع ذلك لم يقل لنا التاريخ ما أثر دعوة موسى على المصريين وخاصة بعد فرعون، وهل انقلب المصريون عليهم بعد غرق زعيمهم في اليم عندما كان يلاحق ويطارد موسى، أم اتعظوا وهل استمر الملك الإله في مصر بعد غرق الفرعون، علما أن الظاهر أن المصريين اعتبروا دعوة موسى وإقامته بينهم، وعذاب الله لهم نقمة عليهم وتحسروا على أيام حاكمهم الإله الغريق.
وقد ولد موسى في مصر في السنة التي كان الفرعون يقتل الذكور من بني إسرائيل من مواليد ذلك العام، ثم إن آل فرعون التقطوا موسى في تابوته العائم المار أمام بيت فرعون. ولما كان فرعون يفترض أنه لا ينجب فقد عرضت زوجته أن يتخذا الطفل اللقيط ولدا بالتبني، فكأنما موسى تربى في القصر على أنه ابن فرعون بالتبني رغم شعور فرعون المتشكك في الطفل وشعور زوجته المرحبة بهذا الطفل، ورغم أن القرآن الكريم أخبرنا أن آل فرعون التقطوه لكي يصبح لهم عدوا ومصدر حزنهم «إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين» وهذا الخطأ خارج عن حسابات البشر تماما، فكأن التقاطه وتربيته في بيت فرعون كان خطأ في قوم لا يعبدون الله فوصموا بالخطيئة والخطأ في وقت واحد.
الوقفة الثانية هي أنه مادام موسى طفلا لقيطا ومولودا على أرض مصر فقد صار مصريا ويحتمل أنه كان عضوا في الأسرة الحاكمة.
الوقفة الثالثة هي سلوك فرعون مع السحرة، ومن الواضح أن فرعون كان هو القانون وأن انعدام القانون كان واضحا في مصر في القضايا السياسية منذ قصة يوسف. فكان فرعون يملك العقيدة كما يملك أن ينزل العقاب بمن يخالفها ولكن ألوهية فرعون انهارت باعتراف السحرة بإله موسى وهارون أي سقوط الشرعية السياسية لنظام حكم فرعون.
الوقفة الرابعة أن من خرج من مصر مع موسى كانوا من بني إسرائيل في مصر، ولكن يبدو أن قهر فرعون وبطشه بالسحرة دفع بعض المصريين المؤمنين بإله موسى إلى التخفي تجنبًا لمصير السحرة، ويبدو أنهم أيضًا لم يخرجوا مع موسى، وبذلك نفترض أن بني إسرائيل هم الذين خرجوا معه وهم الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم وليس فيه أي إشارة إلى مصريين لحقوا بهم، وخاصة أن نسبهم إلى بني إسرائيل سابق على رسالة موسى وهي الرسالة اليهودية.
الوقفة الخامسة أن يوسف وموسى من أنبياء الله وهو الذي اختارهم «والله أعلم حيث يجعل رسالته» (سورة الأنعام 124). ويفترض أنهما اكتسبا الجنسية المصرية، ولذلك فإن رسالتهما لا تحسب لليهود أو بني إسرائيل أو إسرائيل فيما بعد، وخاصة أن الأوساط الصهيونية التي تضيف إنجازاتهما إليها وتمنن على مصر بفضلهما لا محل له، كما أنه لا يمكن القول أن جنسيتهما المصرية ليس لها دلالة أكثر من تكريم الله لمصر بأنبيائه؛ فالعلاقة بين الأنبياء وربهم علاقة جذرية أما علاقة هؤلاء الأنبياء بالمكان الذي ينزلون فيه فهي علاقة عابرة لا يجوز أن تنسي القارئ العلاقة الأكبر وهي أنهم رسل الله.






aak_news