الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

فواصل بين الغرور والكبرياء



عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قال الله عزّ وجلّ: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار». يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: شيخ زانٍ وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته ولا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه.
الغرور صفة تعتري الكثير من الناس، وتتفشى في جسده كالمرض الذي يصعب علاجه، صفة يقتنع بها كل من يعاني منها كامل الاقتناع. لو نظرت إليه جيدًا لوجدته يعيش حبين مزدوجين..
1- حبه لنفسه أو (حب الذات).
2- حب الظهور والتباهي بوجوده بين الناس.
فالمغرور يعيش هنا حالة أنانية طاغية، وحالة ملحة من البحث عن الإطراء والثناء والمدح. وهنا يجب التفريق بين الثقة بالنفس والغرور.
من هذا المنطلق نتساءل ما هو الغرور؟
الغرور ما هو إلا تضخم للذات، وفيها من الأنانية بشتى الأنواع... حيث يرى الشخص نفسه أنه الأعلى دائمًا.. وعلى الصواب من دون منازع والبقية مجرد جهلة لا يعرفون شيئًا ولا يفقهون. والمغرور لا يرى أخطاءه لأنه دائمًا على الصواب.. فكل أخطائه صحيحة لمجرد تسرب الغرور إلى النفس المصابة بهذا الداء.. يبدأ في إحداث أخطاء أكثر من معدله الطبيعي متماديًا في الأخطاء فيفقد ما اكتسبه من مكانة لدى الناس... صغيرًا كان أو كبيرًا.
وهو الأساس الذي ينخر دعائم الأسرة لاستبداده في الرأي واحتقاره لآراء الآخرين وتسفيهها... راميًا بغروره كرامة الناس خلف ظهره.... فهو يرى في مرآته كرامته وسمعته فقط، وكل من حوله لا كرامة لهم، ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن الغرور مرض يطمس بصيرة صاحبه فلا يرى الحق حيث تنحصر رؤيته في زاوية معينة لا يرى فيها غير نفسه ولا يرى البشر إلا أشياء ضئيلة وضعيفة وخاصة إن كان ذا مركز في المجتمع أو صاحب أموال وتسلط عليه الأضواء، فيظن أنه بها قد امتلك الكون وما فيه فينتفخ وتنتفخ معه ذاته.
فالغرور عندما يمتزج بالكبرياء وحب الذات والاعتزاز بها.. وعدم تقبل صاحبه الانتقاد أو كلمة حق تقال له... حينها يبدأ هذا الشخص بفقد من حوله من الناس واحدا تلو الآخر.. وما ذلك إلا نتيجة المبالغة في حب الذات والثقة بالنفس والمبالغة، كذلك في إعطاء النفس حجما أكبر مما ينبغي أن يكون.. هذه الفئة من الناس تختلط عندهم الأمور حيث تختلف لديه المعايير فيتوه بين الثقة بالنفس والغرور.
ومن أجل أن نكون موضوعيين في تقويمنا، ونقدر الأمور تقديرًا طبيعيا من دون مغالاة أو مبالغة أو تضخم، يجب أن نضع الحقائق نصب أعيننا بواقعية حتى تعرف ذاتك من خلال الأمور الثلاثة التالية:
* اعرف قدر نفسك.
* اعرف ثمن ملكاتك.
* اعرف قيمة الدنيا.
إذا عرفت قيمة نفسك بلا تهويل، وثمنت ملكاتك بلا زيادة، وعرفت قيمة الدنيا، حينها تكون قد وضعت قدمك على الطريق الصحيح لتفادي حالات التكبر والغرور.
الثقة بالنفس تحتاج إلى الإيمان وإلى القلب السليم الخالي من أمراض العصر، وإلى العقل المتزن النظيف الذي ينقي الأحداث داخله فتصحح له الدروب ويقف على أرض صلبة بثبات وإيمان ويقين.. تراه عندما يحدث الناس فإن كلماته تحتوي على الثقة والطلاقة والنفع والدلالة واحترام الآخرين واحترام آرائهم وشخصهم فبالثقة والاحترام يكسب حب الآخرين ويكسب مكانته في المجتمع بجدارة من دون طرق الأبواب.
أما الكبرياء فهو صفة جميلة إذا ما وضعت في مكانها الصحيح، لأنها تعني الثقة بالنفس المعتدلة التي تحفظ للإنسان كرامته بين الناس لا ان يتعالى عليهم بالثقة المفرطة فيدوس على مشاعر الناس من دون مبالاة.
عندما يمتزج الغرور بالكبرياء تكون هناك غطرسة ونهب الحقوق وقد يتمادى الأمر إلى التطاول بالوقاحة في معظم الأحيان.
يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في الصور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون في سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» رواه الترمذي 2492
وخلاصة القول:
يقول الشاعر:
وأقبح شيء أن يرى المرء نفسه...
رفيعًا وعند العالمين وضيع.
كالنجم لاح لناظر على...
صفحات الماء وهو رفيع.
ولا تكن كالدخان يعلو نفسه...
على طبقات الجو وهو وضيع.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة