الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

أثر تفعيل هدي الرسول صلى الله عليه وسلم (2)



جاء في الحكمة التي تنسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه والله أعلم «خير الناس من كف فكه وفك كفه، وشر الناس من فك فكه وكف كفه». ما معنى «كف فكه»؟.. الفك.. أو الفم.. هو المكان الذي يخرج منه الكلام.. وللأسف.. فإن الناس يتكلمون بالشر أكثر مما يتكلمون بالخير.. ويتكلمون بما لا يفيد أضعاف ذلك، فمن يكف فكه... أي يمتنع عن الكلام فيما لا يفيد، من يفعل ذلك يكون قد طبق الحديث الشريف، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قلت يا رسول الله ما النجاة قال أمسك عليك لسانك، ليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. رواه الترمذي. فاللسان من أشد الجوارح خطرًا على الإنسان، ولهذا إذا أصبح الإنسان فإن الجوارح: اليدين والرجلين والعينين، كل الجوارح تكفر اللسان، وكذلك أيضا الفرج، لأن الفرج فيه شهوة النكاح، واللسان فيه شهوة الكلام، وقلّ من سلم من هاتين الشهوتين. عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» أخرجه البخاري في باب حفظ اللسان كتاب الرقاق.. والمراد بما بين لحييه اللسان، وبما بين رجليه الفرج. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه أي كف عنهم؛ لا يذكرهم إلا بخير، ولا يسب، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا ينشر الشائعات والأكاذيب بين الناس، إذا سمع السوء حفظ لسانه، وليس كما يفعل بعض الناس-والعياذ بالله- إذا سمع السوء في أخيه المسلم طار به فرحًا، وطار به في البلاد نشرًا -والعياذ بالله- إن المؤمن إذا رأى حسنة نشرها وإذا رأى سيئة سترها، والمسلم كما يجب عليه أن يحفظ لسانه، يجب عليه كذلك أن يحفظ يده عن إيذاء المسلمين، فالمسلم من سلم المسلمون من يده، فلا يعتدي عليهم بالضرب، أو الجرح، أو أخذ المال، أو ما أشبه ذلك، قد كف يده لا يأخذ إلا ما يستحقه شرعًا، ولا يعتدي على أحد، فإذا اجتمع للإنسان سلامة الناس من يده ومن لسانه فهذا هو المسلم الحق.
ويفهم من هذا الحديث أن من لم يسلم الناس من لسانه أو يده، بعيد كل البعد عن دائرة الإسلام، فمن كان ليس له همٌ إلا القيل والقال في عباد الله، وأكل لحومهم وأعراضهم، فهذا مسلم بالاسم، وكذلك من كان ليس له همٌ إلا الاعتداء على الناس بالضرب، وأخذ المال، وغير ذلك مما يتعلق باليد، فإنه بعيد عن منهج الإسلام وأخلاق سيد الأنام عليه الصلاة وأتم السلام. وتشتد العقوبة إذا وقع الإيذاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا* وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» (الأحزاب: 57،58). جاء تفسير السعدي:
(لما أمر تعالى بتعظيم رسوله صلى اللّه عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه، نهى عن أذيته، وتوعد عليها فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وهذا يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تنقيص له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى. «لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا» أي: أبعدهم وطردهم، ومن لعنهم (في الدنيا) فإنه يحتم قتل من شتم الرسول، وآذاه.
«وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا» جزاء له على أذاه، أن يؤذى بالعذاب الأليم، فأذية الرسول ليست كأذية غيره، لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يؤمن العبد باللّه حتى يؤمن برسوله صلى اللّه عليه وسلم، وله من التعظيم الذي هو من لوازم الإيمان، ما يقتضي ذلك، ألا يكون مثل غيره. وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا، ولهذا قال فيها: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا» أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى «فَقَدِ احْتَمَلُوا» على ظهورهم «بُهْتَانًا» حيث آذوهم بغير سبب «وَإِثْمًا مُبِينًا» حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر اللّه باحترامها).
ومن صور الإيذاء الشائعات وتوجيه التهم وسوء الظن من غير دليل أو حجة وبرهان ومن الأبيات المنسوبة إلى الإمام الشافعي:
إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليمًا مِن الأذى *** وَدينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِّنُّ.
لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ *** فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ.
وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِبًا *** فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ.
وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى *** ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة