الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

رحمة الرسول الإنسان عليه الصلاة والسلام (5)



جعل الله الرحمة صفة من صفات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخُلقا من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- اشتهر به، وبين الله تعالى أن مصدر هذه الرحمة من عنده سبحانه، فهو الله الرحمن الرحيم، وهو سبحانه الغفور ذو الرحمة. يقول تعالى مخاطبا رسوله -صلى الله عليه وسلم- في محكم القرآن الكريم: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر». آل عمران: 159، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشر كسائر البشر، نشأ في بيئة تشتهر بالقسوة في كل شيء، نشأ يتيما فحُرم حنان الأب، وما لبث إلا يسيرا حتى ماتت أُمه وهو في سن السادسة فحُرم حنان الأم، وهكذا قدر الله له، واصطفاه لنفسه، فسكب في قلبه من الرحمة والأناة والحلم، فكانت رحمته صلى الله عليه وسلم للضعيف والمسكين واليتيم، للكبير والصغير، للغني والفقير، للقوي والضعيف، رحمة عامة، فمن توجيهاته -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الترمذي وغيره عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله. صححه الألباني. لقد بين لنا رسول الرحمة أن الجزاء من جنس العمل، فمن أراد أن يفوز برحمة الله في الدنيا والآخرة فليرحم خلق الله من إنسان وحيوان وطير، ومن وصل رحمه بالمودة والصلة والرحمة وصله الله في الدنيا والآخرة، حقا إنه دين الرحمة، ورسولنا رسول الرحمة العامة، وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم أن يُقبل الأطفال ويحنو عليهم، حتى رآه أحد الصحابة يُقبل الحسن بن علي فتعجب من فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأن ما يفعله الرسول يعتبرونه منافيا لعاداتهم، فبين له الرسول أنها الرحمة، أخرج البخاري في صحيحه عنَ أَبَي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ: الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ. وبلغ من رحمته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدخل في الصلاة ويُريد أن يُطيل فيها، فيسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته، ويُخفف فيها، رحمة به وبأمه، مع أنه صلى الله عليه وسلم القائل: وجُعلت قرة عيني في الصلاة. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنْ عبداللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إني لأَقُومُ إلى الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأسمعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ. وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَدْخُلُ الصَّلاَةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأسمعُ بُكَاءَ الصَّبِيّ فَأُخَفِّفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ. والوجد: الحزن، ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى من يؤم الناس في الصلاة عن الإطالة فيها، مما يشق على الناس ويُنفرهم من صلاة الجماعة، لأن في المصلين أصحاب الأعذار (مثل الكبير والضعيف والمريض وذي الحاجة) أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإن فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ. ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- دعوته للبذل والعطاء بإطعام الطعام، وبذل الفضل من المال والتصدق على الفقراء والمساكين رحمة بهم، أخرج البيهقي في السنن الكبرى وأحمد في مسنده عن عَلِي بْن الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا أبو بَدْرٍ حَدَّثَنَا أبو خَالِدٍ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي دَالاَنَ عَنْ نُبَيْحٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا ثَوْبًا عَلَى عُرْي كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خَضِرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ منْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ. وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُرغب في إطعام الطعام، وخاصة للفقراء والمساكين، ويجعله من أعظم خصال الإسلام، وكان يسأل أصحابه: من أطعم اليوم مسكينا؟ وكان يبشر من أطعم مسكينا بدخول الجنة، أخرج ابن خُزيمة النيسابوري في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم اليوم صائما؟ فقال أبو بكر: أنا. فقال: من أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا. قال: من عاد منكم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل إلا دخل الجنة. وأخرج الحاكم في المستدرك عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطعم أخاه خبزا حتى يشبعه وسقاه ماء حتى يرويه، باعده الله عن النار سبع خنادق، بُعد ما بين خندقين مسيرة خمسمائة سنة. صححه الذهبي في التلخيص. فما أحوجنا أن نتذكر هذه التوجيهات ليرحم بعضنا بعضا، وإن إخواننا الذين نُكبوا في ديارهم وأهليهم، وشردتهم الحروب الطاحنة في سوريا وغيرها في أمس الحاجة إلى الطعام والكساء والدواء، فمدوا أيديكم لهم واتبعوا هدي نبيكم نبي الرحمة، واسألوا الله لهم أن يُفرج عنهم ما هم فيه. عَنْ مُوسَى بن أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمِّهِ الْحَكَمِ بن عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ الأَعْمَالِ إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا مِنْ جُوعٍ، أو دَفَعَ عَنْهُ مَغْرَمًا، أو كَشَفَ عَنْهُ كَرْبًا. أخرجه الطبراني.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة