العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٦٨ - الجمعة ٦ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٨ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

في الرد على الملحدين:
(يا بُنيّ اركب معنا) (6)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا



نواصل الحديث معكم عن الأدلة الشرعية الدالة على وجود الخالق سبحانه وتعالى، حيث دعا القرآن الكريم الإنسان إلى الإيمان بالله تعالى والحياة الآخرة التي فيها نتائج المسؤولية والحساب والجزاء وسلك في ذلك طرقًا عدة.
فممن حيث الكون الذي نعيش فيه فقد عرضه بجوانبه وأجزائه وحركاته وسكناته في إشارات علمية دالة على العلم بهذه الجوانب من جانب منزل القرآن الكريم وعرض أهم ما حوته الأرض والبحار والأنهار والرياح والأمطار، وما حوته السماء من كواكب وكرر ذلك تكرارا يلفت النظر إلى المألوف والغريب، وما يبصره الإنسان وما لا يبصره، ويطوف القرآن بالإنسان أرجاء الكون ابتداءً من الأرض التي يعيش على ظهرها وما عليها من جبال وبحار وما بداخلها من أنهار وجنات وما يهطل من أمطار، وما ينبت فيها من زرع بطريقة علمية شاملة لبيئات مختلفة لم يكن يعلمها العربي يوم نزول القرآن الكريم، قال تعالى: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون) (البقرة: 164)، (المرجع السابق، ص: 228).
وفي هذه الآية من الحقائق العلمية التي لم يعرفها الإنسان حتى بعد نزول القرآن الكريم بقرن ونصف قرن من الزمان.
حيث حوت أهمية اختلاف الليل والنهار، وهذا الاختلاف يشمل الضوء والظلام والطول والقصر، وقد ثبت علميًّا أهمية هذا الاختلاف في عملية البناء الضوئي حيث تفاعلات الضوء المثبتة لطاقة الشمس وثاني أكسيد الكربون وإنتاج المواد الكربوهيدراتية والأكسجين، وكذلك تفاعلات الظلام التي يترتب عليها إكمال عمليات البناء الضوئي وإنتاج العديد من المنتجات النباتية المختلفة، وكذلك يقوم اختلاف الليل عن النهار في الطول والقصر والشدة في الضوء والإظلام في تكوين هرمون الإزهار الذي يترتب عليه إنتاج الأزهار في النباتات الزهرية وما يترتب على ذلك من إنتاج الثمار والحبوب والبذور المختلفة.
فذكر كلمة (وَاخْتِلاَف) دليل على أهمية هذا الاختلاف لاستمرار الحياة على الأرض، وكذلك تضمنت الآية إحياء الأرض الميتة وذلك بالكائنات الحية تحت الثرى وما يترتب على ذلك من إنبات الحبوب والبذور والنبات فالأرض الميتة أرض حصوية وحجرية وطينية ورملية وسلتية وطميية خالية من الكائنات الحية، والأرض الحية تحتوي علاوة على المكونات السابقة الماء والبكتيريا والفطريات والطحالب وأجزاء النبات الأرضية وبقايا تلك الكائنات الحية وكذلك الديدان الأرضية والحشرات والعناكب والتي يترتب على وجودها إحياء الأرض، وقد شرحنا هذا بالتفصيل في كتبنا ومشاغلنا في شرح قوله تعالى: (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) (طه: 6) وإحياء الأرض بعد موتها.
ولذلك قال تعالى: (وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ) من الكائنات الحية السابقة، وهذا يدلل على أن منزل القرآن الكريم عليم بهذه الحقائق العلمية منذ الأزل وهو سبحانه يعلم في هذه الإشارات الكونية العلمية ما سوف نراه في المستقبل بإذن الله مصداقًا لقول الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد) (فصلت: 53).
وقال تعالى: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُون* وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم* وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم* لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون) (يس: 37-40).
ولم يكن الإنسان يعلم الحقائق الموجودة في الآية عن سباحة الشمس والقمر في أفلاك محددة، وهذه إشارة كافية بإثبات أن هذا القرآن الكريم من عند الخالق العليم الخبير سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُون* وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون) (النحل: 15-17).
هذه بعض الآيات التي تلفت نظر الإنسان إلى ما يحيط به من مظاهر كونية وظواهر طبيعية ويضع العقل البشري أمام هذه الحقائق المشاهدة وغير المشاهدة التي تشهد بصدق ووضوح بأن وراءها حقيقة كبرى، ويقول له أفمن يخلق كمن لا يخلق، فمن على الفطرة السليمة والعقول الصريحة المستقيمة إلا أن تقول: لا يستوون، الحمد لله رب العالمين الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، لا إله إلا هو ربنا ورب آبائنا الأولين والعالم أجمعين (المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص: 230).
وقد حوى القرآن الكريم في مجال علم النبات العديد من الإشارات والحقائق العلمية في مجال علم النبات، تخصصي الدقيق وهذا ما بيناه في العديد من مؤلفاتنا العلمية ومقالاتنا الصحفية ودروسنا العامة والخاصة.
قال تعالى: (وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ) (البقرة: 164)، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
وقال تعالى: (وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون) (النحل: 65).
وقال تعالى: (فَانظُرْ إلى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (الروم: 50).
وهذا التكرار والتأكيد على أن الماء يحيي الأرض الميتة يؤكد أن القائل خالق عليم خبير.
قال تعالى: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج) (الحج: 5).
وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (فصلت: 39).
وورود كلمتين (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) في الآيتين السابقتين بنفس الترتيب هو من الأدلة العلمية القوية على أن القرآن الكريم منزل من لدن عليم خبير خالق، ولو عكست الكلمات لتكون (ربت واهتزت) لخرجت الآية عن الحقائق العلمية وهذا ما فصلناه في كتابنا آيات معجزات من القرآن الكريم وعالم النبات.
انظر إلى الآية التالية المعجزة التي حوت العديد من الحقائق النباتية التي شرحناها في مرجعنا السابق. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إلى ثَمَرِهِ إذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون) (الأنعام: 99).
إنها آية عظيمة في عالم النبات حيث ينزل الماء على الأرض وينبت كل شيء قابلا للإنبات ومن ذلك حبوب وبذور وأجزاء النبات الأرضية ثم بعد ذلك يظهر الخضر «الكلوروفيل» الذي يعطي السنابل «الحب المتراكب» وهذا إعجاز علمي أكتفي به في هذا المجال.
وللحديث بقية بإذن الله تعالى...






aak_news