الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٦٤ - الاثنين ٢ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ٤ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

آخر الرجال في الفلبين ..ملحمة استعمارية اسبانية



في سنة 1898 تتخلى إسبانيا عن آخر مستعمراتها، بعد أن ظلت تحتل الفلبين على مدى أربعة قرون كاملة. هذا التاريخ الاستعماري الاسباني ينتقل إلى عالم الفن السابع من خلال فيلم «1898، آخر رجالنا في الفلبين» 1898, Our Last Men In The Philippines وهو عمل سينمائي كبير رصدت له ميزانية ضخمة.
على مدى ستة أشهر بعد تخلي إسبانيا عن آخر مستعمراتها ظلت مجموعة تضم خمسين من الجنود الاسبان تتحصن داخل إحدى الكنائس وترفض الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، أي بمرحلة بداية تصفية حقبة الاستعمار الاسباني الذي امتد على مدى عقود من الزمن.
لا تقل الحرب في الفلبين ضراوة وشراسة ومأساوية عن الحرب المدمرة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام في القرن العشرين. فقد تركت الحرب في الفلبين أيضا جراحا غائرة وتأثيرا كبيرا على سيكولوجية الشعب الاسباني.
تولى أليخاندرو هرنانديز كتابة سيناريو هذا الفيلم الذي يركز على آخر أيام الاستعمار الاسباني، وقد أسندت الأدوار الرئيسية إلى ثلة من الممثلين الاسبان ومن بينهم خافيير جوتيريز، لويس توسار، ألفارو سيرفانتيز، إدوارد فرنانديز، كارا إليجايد، ريكاردو غوميز.
هذا العمل السينمائي التاريخي الضخم هو أيضا أول فيلم في مسيرة المخرج الاسباني سلفادور كالفو في عالم الفن السابع وهو يقول في هذا الصدد: «هذه قصة ملحمية حقيقية تجمع ما بين المغامرة المثيرة والتفاصيل التاريخية والحبكة الدرامية مع ثلة من الممثلين المتميزين والأماكن الرائعة التي صورت فيها المشاهد. أنا سعيد بالعمل مع إنريكو سيريزو، الذي يعتبر من أنجح المنتجين السينمائيين الاسبان».
لقد تطرقت السينما الاسبانية على استحياء إلى تاريخها الاستعماري في الفلبين علما وأن هذه القصة المتعلقة بآخر فصول المرحلة الاستعمارية لم تجد طريقها إلى الفن السابع إلا في سنة سنة 1945، أي خلال الأيام الأولى لحكم الجنرال فرانكو. في الحقيقة فقد وجد المخرج كالفو والسيناريست أليخاندرو نفسيهما أمام معضلة حقيقية يحتم عليها تحقيق بعض التوازن – في سرد أحداث 1898 ما بين العزف على الجانب البطولي للجنود الاسبان تجنبا لاستفزاز التيارات القومية الاسبانية مع إبراز تفاهة وعبثية الحروب من ناحية ثانية.
في نهاية المطاف طغى الجانب الثاني على الفيلم لأن المخرج والسيناريست لايريدان أن يبدوا وكأنهما يدافعان عن التاريخ الاستعماري ويختلقان له الذرائع والمبررات. لقد أثار هذا الموقف حفيظة بعض النقاد الذين كتبوا عن الخط السياسي للفيلم. رغم أن السيناريست قد حرص على مراعاة مثل هذا التوازن الصعب كي يخاطب جمهور الفيلم في الداخل والخارج من زوايا مختلفة فإن المخرج لم يترددد في تسليط الوء على أهوال الحرب والاستعمار الاسباني في المستعمرة الفلبينية. فقد حفل الفيلم بالكثير من مشاهد القتل وسفك الدماء وهي سمة مثل هذه الحروب الاستعمارية التي تظهر مدى تدني الانسان إلى الحضيض. تفيد الرواية التاريخية الرسمية أن أولئك الجنود الاسبان ظلوا على مدى أحد عشر شهرا وهم متحصنون بالكنيسة في هذا الفيلم الجديد الذي يسلط فيه المخرج الضوء أيضا على الضرر النفسي الجسيم الذي يلحق بحياة العسكريين والمدنيين. يعتبر سيريزو الشخصية المركزية في هذا الفيلم من حيث عمقها السيكولوجية حيث أنه تمسك بمواصلة القتال والدفاع عن الواقع الاىستعماري في الوقت الذي يقول له الآخرون أن الحرب قد انتهت وأنه لا بد من القبول بالأمر الواقع. في الحقيقة، فإن كل أبطال هذا الفيلم، الذي لا يخلو من جانب التوثيق التاريخي، يسقطون في الصورة النمطية رغم العمق الدرامي الذي تتسم به.
اختار المخرج تصوير مشاهد الفيلم في جمهورية غينيا الاستوائية على أنها تمثل أدغال الفلبين وقد استخدمت طائرة مروحية من أجل الحصول على أجمل اللقطات وخاصة خلال الخمسة عشر دقيقة الأولى التي شكلت مدخلا مهما للفيلم من حيث قوته الدرامية مع كثير من الرمزية وهو ما يعني أن المخرج قد اختار أن يلعب أقوى أورواقه في هذا الفيلم منذ البداية. اعتبر بعض النقاد أن الفيلم قد تعجل كلما تعلق الأمر بالتفاصيل أي بالحقيقة التاريخية التي جاءت حسب رأيهم منقوصة فيما اعتبر آخرون ممن يملكون معرفة دقيقة بتلك الفترة بما فيها من أحداث أن الفيلم لم يخل من أخطاء، أقلها البزة العسكرية التي ارتداها التي لم تكن على ما يبدو دقيقة كما أن الرواية التاريخية تقول أن الجنود كانوا متمرسين على الحرب والقتال فيما يصورهم الفيلم على أنهم من المبتدئين. تم تصوير عملية استسلام الجنود المتحصنين في الفلبين في نفس الموقع الذي تم فيه تصوير بعض مشاهد فيلم Apocalypse Now الذي يعتبر من أهم الأفلام التي أنتجتها استوديوهات هوليود وقد لعب دور البطولة فيه الممثل اللامع مارلون براندو.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة